الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

566

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ، ومن أنكرها كفر قطعا ، وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق . وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره ، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى ، وإن كانت رؤية الرب سبحانه أعظم من رؤية جبريل ، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة . ثم نزه تعالى رسوليه كليهما - صلى اللّه عليهما وسلم - ، أحدهما بطريق النطق ، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة ، فقال : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ « 1 » فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين : أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان . والقراءتان كالآيتين ، تضمنت إحداهما - وهي قراءة الضاد - تنزيهه عن البخل ، فإن الضنين : البخيل ، يقال : ضننت به أضن ، بوزن : بخلت أبخل ومعناه ، وقال ابن عباس : ليس ببخيل بما أنزل اللّه ، وقال مجاهد : لا يضن عليهم بما يعلم . وأجمع المفسرون على أن الغيب هاهنا : القرآن والوحي . قال الفراء : يقول اللّه تعالى : يأتيه غيب من السماء وهو منفوس فيه ، فلا يضنن به عليكم . وهذا معنى حسن جدّا ، فإن عادة النفوس الشح بالشئ النفيس ، ولا سيما عمن لا يعرف قدره ، ومع هذا فالرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله . وقال أبو علي الفارسي : المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا . وأما قراءة من قرأ ( بظنين ) بالظاء فمعناه : المتهم ، يقال : ظننت زيدا بمعنى اتهمته وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك ، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى : وما هذا الرسول على القرآن بمتهم ، بل هو أمين فيه لا يزيد فيه ولا ينقص منه . وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد

--> ( 1 ) سورة التكوير : 24 .